سندات الخزانة الأمريكية: الشجرة تريد السكون لكن الرياح لا تتوقف
من جهة، هناك الارتفاع الحاد في أسعار النفط، ومن جهة أخرى، هناك ضعف سوق العمل. هذا هو السيناريو الذي لا ترغب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رؤيته على الإطلاق، ولكنه حدث بالفعل.
منذ بداية مارس، ارتفع أدنى مستوى لعائد السندات الأمريكية لعشر سنوات بمقدار 20 نقطة أساس. لكن بالمقارنة مع ارتفاع أسعار النفط الجنوني، فإن هذه الزيادة في العائدات ليست كبيرة. كما يظهر في الرسم البياني أدناه، توقعات التضخم للسندات الأمريكية (Breakeven) تتأخر في الارتفاع، والمدى الصاعد لا يتناسب مع أسعار النفط.
لماذا إذاً لم تعكس سندات الخزانة الأمريكية بالكامل تأثير ارتفاع أسعار النفط؟ أرى أن هناك سببين رئيسيين:
أولاً، تعتقد الأسواق أن صدمة الحرب بين أمريكا وإيران وارتفاع أسعار النفط مؤقتة وستعود في النهاية إلى طبيعتها.هذا التوقع واضح في بعض الأصول الحساسة للسيولة مثل الذهب، حيث تكون تقلباته الآن مشوهة نوعاً ما. تقلبات الآجال القصيرة (أسبوع واحد) ما زالت مرتفعة، لكن المدى المتوسط والطويل الأجل (ثلاثة أشهر) لم يتغير كثيراً بل حتى يميل للانخفاض.تسعير سندات الخزانة الأمريكية مشابه، إذ يرى السوق أن تأثير صراع أمريكا وإيران سيكون قصير الأمد.
ثانياً، بدأ سوق السندات الأمريكي بتسعير توقعات ركود بعيدة الأمد.لقد حصل شيء مماثل في 2008. حينها، ارتفع سعر النفط إلى 140 دولاراً تقريباً، لكنها توقفت عائدات السندات عند 4% تقريباً، وبدأ السوق بتسعير توقعات الركود.وفي هذا السياق، من المؤكد أن أسعار النفط المرتفعة ستعزز توقعات الركود أيضاً— إذ تشير أبحاث المصارف الأجنبية إلى أن كل ارتفاع بنسبة 1% في النفط سيقلل إنفاق المستهلك الأمريكي بنسبة 0.06% تقريباً. ومع تزايد التقلبات في سوق الأسهم الأمريكية والمعلومات السلبية حول Private Credit، فإن لتوقعات الركود أساس واقعي.
هذا هو الوضع الراهن، فماذا عن المستقبل؟من المهم ملاحظة أن الأوضاع في الشرق الأوسط متقلبة للغاية، وتوقعات السوق دائمة التغيّر. وحسب الأسعار في مواقع المراهنات مثل Polymarket، بدأت السوق تدرك أن الصراع الأمريكي الإيراني قد يطول—حيث تشير التوقعات إلى أن احتمال حدوث وقف لإطلاق النار قبل 31 مارس انخفض إلى 20%، وحتى احتمال الهدنة بحلول منتصف مايو حوالي 60% فقط.
بشكل عام، تحولت الأهداف الأمريكية في بداية الحرب (نصر سريع خلال 3-4 أسابيع) إلى مجرد وهم، وأصبح الوضع أكثر تعقيداً مما يمكن أن يحله "ترمب" بسهولة...وقد لا يكون ارتفاع أسعار النفط عبارة عن قمة حادة إنما قبة ذات صمود واستمرارية.
ماذا عن استراتيجية الأصول؟ أرى النقاط التالية كفرص:
1- الأولوية لاستراتيجية تسطيح منحنى عوائد السندات الأمريكية.لأن توقعات خفض الفائدة قصيرة الأجل قد تتقلص أكثر أو حتى تُلغى؛ في حين ستظل العوائد طويلة الأجل في حالة صراع.
2- بالنسبة للعملات، أوصي بشراء الدولار الكندي والدولار الأمريكي.فهذان يمثلان أبرز المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط. أساسيات الدولار الأمريكي نفسها ضعيفة، لكن الضرر الأكبر من ارتفاع النفط سيصيب اليورو والين.
3- بالنسبة للمعادن الثمينة، اغتنم فرص الشراء في التراجعات.صحيح أن التشديد في السيولة يظل أكبر مخاطرة تستهدف الذهب في الوقت الحالي، وهي واضحة بشكل خاص في الجلسة الأمريكية. ومع ذلك، السوق ما زال يضم سيولة جديدة، والمنطق طويل الأمد صلب جداً، لذا فإن أي تراجع فرصة جيدة للبناء والشراء.
خلاصة مشاركة اليوم:
1- على الرغم من الارتفاع الأخير في عائدات سندات الخزانة الأمريكية، إلا أن تسعير السندات لم يعكس بالكامل جنون أسعار النفط. وقد يكون السبب في هذا أمرين: أولهما أن الأسواق ما زالت ترى أن صدمة حرب أمريكا وإيران وارتفاع النفط مؤقتة؛ وثانيهما أن سوق السندات بدأ يبني توقعات ركود بعيدة الأمد.
2- من الجدير بالذكر أن الأوضاع في الشرق الأوسط متقلبة باستمرار، والتوقعات تتغير دوماً. وحسب تسعير Polymarket، بدأت الأسواق تدرك أن الصراع الأمريكي الإيراني يتجه نحو حرب استنزاف طويلة، ولم يعد الوضع مما يمكن حله سريعاً...
3- ما هي دلالات ذلك للأصول؟أرى أن ارتفاع أسعار النفط لن يكون قمة حادة، بل قبة ذات لزوجة وصمود نسبي.سيتجه منحنى عوائد السندات الأمريكية لمزيد من الاستواء، ويوصى بزيادة مراكز الدولار الكندي والدولار الأمريكي على حساب بقية العملات العالمية، واغتنام فرص الشراء في التراجعات للمعادن الثمينة.
إخلاء المسؤولية: يعكس محتوى هذه المقالة رأي المؤلف فقط ولا يمثل المنصة بأي صفة. لا يُقصد من هذه المقالة أن تكون بمثابة مرجع لاتخاذ قرارات الاستثمار.
You may also like
حالة حذر جماعية في وول ستريت! ملخص أحدث تقارير 13F: تغييرات متفاوتة في حيازات قادة التكنولوجيا ومسار الذكاء الاصطناعي، وصراع قوي بين الاتجاهين الشرائي والبيعي
تكشف ملفات 13F الفصلية الصادرة عن لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) أنه في الربع الثاني من هذا العام، قلل المستثمرون المؤسسيون بشكل طفيف من حيازاتهم في القطاعات الرئيسية مثل أشباه الموصلات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي (AI) والأسهم التكنولوجية الكبرى، ولم تظهر حركات ضخمة باتجاه واحد بشكل واضح في السوق ككل.

إشارات من تقارير أرباح شركات الرقائق للربع الثاني: الطلب أقوى مما كان عليه قبل ثلاثة أشهر، وارتفاع الأسعار يبدأ في "الانتشار"
تعتقد JPMorgan أن تقارير الربع الثاني لصناعة أشباه الموصلات العالمية أظهرت مؤشرات واضحة للتفاؤل: أولاً، الطلب تجاوز التوقعات، حيث قام ت شركات الرقائق الكبرى مثل TSMC بزيادة الإنفاق الرأسمالي بشكل كامل لتسريع التوسع؛ ثانياً، تأثير ارتفاع الأسعار انتقل بشكل فعلي إلى قطاع المعدات والمواد، مما أدى إلى زيادة هامش الربح للموردين من خلال رفع الأسعار؛ ثالثاً، قامت شركات التخزين الكبرى بتأمين خط أرباح مرتفع للسنوات القادمة مسبقاً، من خلال اتفاقيات طويلة الأجل ودفعات مقدمة ضخمة.

