تَعْصُف "عاصفة الديون" العالمية، وتسعير الأصول عالية المخاطر يواجه اختبار ضغط
عاصفة الديون العالمية تضرب: عوائد السندات طويلة الأجل الأمريكية واليابانية والألمانية ترتفع إلى أعلى مستوياتها منذ عدة عقود. موجة إصدار السندات للذكاء الاصطناعي وعودة التضخم تضغطان على "مرساة تسعير الأصول".
أفادت تطبيق "Zhihui Tong Caijing" أن سوق السندات العالمي يشهد موجة بيع متزامنة نادرة عبر عدة دول. فمن واشنطن إلى طوكيو وصولاً إلى فرانكفورت، ترتفع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل بسرعة مذهلة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مما يشير إلى تحول عميق في منطق تسعير رؤوس الأموال العالمية.
يوم الاثنين (17 أغسطس)، اخترق عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا 5.31% خلال التداولات، مسجلاً أعلى مستوى منذ يونيو 2007، أي قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية. في الوقت نفسه، اقترب عائد سندات الخزانة اليابانية لأجل 10 سنوات من 3%، وهي المرة الأولى التي يصل فيها لهذا المستوى منذ سبتمبر 1996؛ وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 3.22%، مسجلاً أعلى مستوى منذ مايو 2011؛ كما تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات 4%، وذلك لأول مرة منذ 2009. أما السندات البريطانية لأجل 10 سنوات فقد اقترب عائدها من 6%.
إن موجة بيع السندات التي تعبر ثلاث قارات ليست مدفوعة بعامل واحد، بل هي نتيجة لتداخل عدة قوى هيكلية: إصدار السندات القياسي من شركات AI فائقة الضخامة، العجز المالي المتزايد باستمرار لدى الحكومات، ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراعات في الشرق الأوسط، وتراجع الطلب من اليابان، أكبر دولة حائزة للسندات الأمريكية في العالم. هذه "ثورة علاوة الأجل" تعيد تعريف المعيار الأساسي لتسعير الأصول العالمية.
"المعيار العالمي لتسعير الأصول": عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً يعود إلى مستويات 2007، وعجز الميزانية وإصدار سندات AI يفرضان "ضغطاً مزدوجاً"
الولايات المتحدة هي مركز عاصفة بيع السندات هذه. فقد تجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً يوم الاثنين 5.31%، وهذا أعلى مستوى منذ 19 عاماً تقريباً. وارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات كذلك إلى حوالي 4.7%. وخلال الشهر الماضي، صعد عائد سندات الـ30 عاماً بنحو 40 نقطة أساس، في أكبر زيادة شهرية منذ ديسمبر 2024.

تأتي قوى البيع في السوق الأمريكية من تيارين قويين في جانب العرض. الأول هو العجز الهائل للحكومة الفيدرالية—حيث يُتوقع أن يبلغ عجز ميزانية الولايات المتحدة في السنة المالية 2026 نحو 1.9 تريليون دولار، بما يعادل حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدفع إلى زيادة مستمرة في عرض السندات. أما الثاني فهو موجة إصدار السندات القياسي من شركات AI. فقد اقترب إجمالي تمويل الديون عبر السندات لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل Alphabet، أمازون، وMeta منذ 2026 من 220 مليار دولار، ورفعت JP Morgan توقعاتها لإصدارات سندات شركات TMT بالدولار في 2026 بنسبة 20% تقريبًا لتصل إلى 540 مليار دولار. وتشكل سندات شركات التكنولوجيا الكبرى الخاصة بـAI نحو 25% من صافي إصدارات السندات متوسطة وطويلة الأجل الأمريكية.
إن تأثير العرض يرفع مجمل تكاليف التمويل. فقد بلغ عائد سندات Alphabet لأجل 30 عاماً 6.4%، أي أعلى بـ1.15 نقطة مئوية من السندات الأمريكية من نفس الأجل. وفي الوقت ذاته، أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية يوم الاثنين انخفاض حيازة المستثمرين الأجانب من السندات الأمريكية في يونيو إلى 9.299 تريليون دولار مقابل 9.371 تريليون دولار في مايو. أما اليابان، التي تعد أكبر "دائن" أجنبي للولايات المتحدة، فقد انخفضت حيازتها في يونيو إلى 1.116 تريليون دولار، بتراجع شهري بلغ 26.4 مليار دولار.
"أكبر مشتر للسندات الأمريكية": عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات يقترب من 3%، و"عودة الفائدة" بعد ثلاثة عقود
يشهد سوق السندات الياباني تطبيعاً تاريخياً في أسعار الفائدة. فقد ارتفع عائد سندات الخزانة اليابانية لأجل 10 سنوات يوم الثلاثاء لليوم السابع على التوالي، وبلغ ذروته عند 2.945%، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 1996. كما ارتفع عائد السندات اليابانية لأجل 30 سنة إلى حوالي 4.06%.
الدافع الأساسي لهذا الارتفاع هو التوقعات القوية بقيام بنك اليابان بتسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة. وقد أظهر ملخص اجتماع يوليو إشارات تشدد واضحة—حيث دعا العديد من الأعضاء إلى "تسريع وتيرة الرفع"، وحذروا من أن "مخاطر الانتظار لم تعد هامشية". وتظهر عقود المبادلة الليلية أن السوق يقدر احتمالية رفع الفائدة من قبل بنك اليابان في سبتمبر بنحو الثلثين، بينما بلغت احتمالية رفعها في أكتوبر 96%.

إن ارتفاع العوائد المحلية في اليابان يدفع إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال العالمية. ومع وصول عائد سندات الخزانة اليابانية لأجل 30 عاماً إلى نحو 4%، فإن المستثمرين اليابانيين—الذين عادة ما يكونون أكبر مشتر للسندات الأمريكية—أصبحوا أكثر جذباً للعودة إلى الاستثمار المحلي. وانخفض إجمالي حيازة اليابان من السندات الأمريكية في يونيو إلى 1.116 تريليون دولار مقارنة بـ1.143 تريليون دولار في مايو. وأشار كبير استراتيجيي الاستثمار في Saxo Bank، تشارو تشانانا: "هذا لا يعني أن اليابان تتخلى عن سندات الخزانة الأمريكية، ولكنه يعني بالتأكيد أن واشنطن لم تعد تستطيع الافتراض أن الطلب الأجنبي سيستوعب الإمدادات الجديدة بالعائدات التي كانت متوقعة في الأمس."
أوروبا: ألمانيا وفرنسا تسجلان أعلى مستويات منذ سنوات، ومخاوف الميزانية تتسارع
لم يكن سوق السندات الأوروبية بمنأى عن هذه الموجة. فقد أغلق عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات يوم الاثنين عند 3.223%، مقترباً من الذروة البالغة 3.505% التي سجلت في الربع الثاني من 2011. وارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 4.05%، بارتفاع يومي قدره حوالي 11 نقطة أساس، مسجلاً أعلى مستوى منذ 2009. كما ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 30 سنة إلى 4.86%، ليعود إلى أعلى مستوياته منذ حوالي 20 عامًا.
تتسع الضغوط في السوق الأوروبية من ألمانيا إلى اقتصادات رئيسية أخرى مثل فرنسا. وتزداد المخاوف بشأن العجز المالي الكبير وعبء الديون الهائل في فرنسا. بالإضافة إلى ذلك، أدى ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراعات في الشرق الأوسط والضغوط التضخمية الناتجة عنها، إلى اعتبارها عاملاً أساسياً في تسارع عمليات بيع السندات الأوروبية.
الدوافع المشتركة: "ثورة علاوة الأجل" عالمية الطابع
رغم اختلاف العوامل المحلية بين دولة وأخرى، إلا أن القوى المحركة الرئيسية لارتفاع العوائد طويلة الأجل تتسم بكونها عالمية بوضوح.
أولاً: عودة المخاوف من التضخم. ارتفع سعر النفط مرة أخرى فوق 90 دولاراً للبرميل، وتلاشى أمل تحقيق السلام بين أمريكا وإيران تدريجياً، مما زاد من القلق من استمرار التضخم المرتفع.
ثانياً: "تنافس رأس المال" بين موجة إصدار سندات AI وضغوط العجز المالي. كما أشارت Jinshi Data، أصبحت السندات طويلة الأجل محور قلق المستثمرين، حيث تتركز العديد من الهواجس على هذا السوق، من التضخم إلى طفرة الذكاء الاصطناعي المدعومة بالديون. يتنافس التمويل الضخم لشركات AI وخطط الحكومات المتزايدة لإصدار السندات على رأسمال محدود.
ثالثاً: ضعف الطلب من المشترين التقليديين. أدت التغيرات الهيكلية في السوق والهيكل السكاني إلى تراجع الطلب القوي من المشترين التقليديين. فعاد المستثمرون اليابانيون إلى الداخل بفعل ارتفاع العوائد المحلية، مما أضعف الطلب على السندات الأمريكية وغيرها من الأصول الأجنبية.
رابعاً: بقاء التضخم أعلى من الهدف. تجاوز معدل التضخم في السنوات الخمس الماضية هدف الفيدرالي البالغ 2% باستمرار، مما دفع المستثمرين للمطالبة بتعويض أعلى عن المخاطر في السندات الحكومية طويلة الأجل.
تأثيرات السوق وتوقعات المستقبل
تشهد تكاليف الاقتراض طويلة الأجل ارتفاعاً حاداً، مما يؤثر بشكل متسلسل على الاقتصاد الأوسع. إذ تُعتبر عوائد الدين السيادي معياراً لتسعير القروض التجارية وقروض الرهن العقاري. ومع وصول متوسط معدل الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً إلى 6.69%، تزداد صعوبة بيئة التمويل للشركات والأسر بشكل ملحوظ.
حالياً، تعتبر السوق نطاق عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات بين 5.0%—5.3% خط إنذار أساسي على مستوى العالم. وحذر كبير استراتيجيي KB للأوراق المالية، لي أون-تيك، أنه إذا واصل العائد كسر حاجز 5% (مستوى 2007) بل و5.3% (أعلى مستوى منذ 25 سنة)، فإن ذلك سيدفع رؤوس الأموال العالمية إلى التحول من "تفضيل المخاطرة" إلى "ضمان رأس المال"، وقد يتسبب في انكماش مرحلي لسلاسل التمويل في قطاع AI والشركات التكنولوجية الكبرى.
وأشارت تشارو تشانانا، كبير استراتيجيي الاستثمار في بنك Saxo: "السوق أصبح يطالب بعلاوة أجل أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الحكومية طويلة الأجل." وأكد كريس إيجو، مدير الاستثمار الرئيسي في AXA IM Core التابعة لإدارة أصول Axa بباريس، "من الصعب تحديد ما هو المستوى المطلوب للعائد لتحسين نظرة العوائد الكلية لأصول الدخل الثابت طويلة الأجل. العامل الوحيد الذي يمكن أن يغير هذا الوضع هو ضعف مفاجئ في البيانات الاقتصادية، أو حدوث صدمة خارجية ما. ويبدو أن الاحتمال الثاني هو الأكثر ترجيحاً."
في 18 أغسطس، اجتاحت موجة بيع السندات العالمية الأسواق الأوروبية والآسيوية بعد الولايات المتحدة. وتحت ضغوط ثلاثية مستمرة من إصدار سندات AI، العجز المالي الضخم، والمخاطر الجيوسياسية، فقد يتطلب الأمر وقتاً أطول لإعادة معايرة "مرساة" تسعير الأصول العالمية المتمثلة في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، كما أن أثر ذلك على سوق الأسهم لا يُستهان به.
آليات الانتقال: ثلاثة مسارات تشرح كيف تؤثر عوائد السندات الأمريكية على سوق AI الصاعد
المسار الأول: إعادة تقييم القيم—معدل خصم أعلى، وقيم حالية أقل. يعد عائد السندات الأمريكية طويلة الأجل مرساة تسعير المخاطر عالمياً. وعندما يرتفع عائد السندات لأجل 30 سنة من أقل من 5% إلى أكثر من 5.3%، يتعين إعادة حساب جميع نماذج تقييم أصول النمو التي تعتمد على التدفقات النقدية المستقبلية. فشركات الذكاء الاصطناعي—خصوصاً تلك التي لم تحقق أرباحاً مستقرة بعد، مثل مطوري العتاد والنماذج—تكون قيمتها أكثر حساسية لتغيرات معدل الخصم مقارنة بالقطاعات التقليدية. وقد تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية قبل الافتتاح (نازداك -1%، ستاندرد آند بورز -0.4%)، ما يعكس هذا الضغط بشكل فوري.
المسار الثاني: ارتفاع تكاليف التمويل—ضغط على نموذج التوسع المعتمد على الدين لمشاريع AI. يعتمد توسع بنية الذكاء الاصطناعي الأساسية بدرجة كبيرة على تمويل الديون. وخلال الأسبوع الماضي ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 سنة من أقل من 5% لأكثر من 5.3%، مما يعني زيادة تكاليف الفائدة لأي مشروع بنية أساسية للذكاء الاصطناعي يعتمد على تمويل الديون طويلة المدى. وأشار لي أون-تيك، كبير استراتيجيي KB للأوراق المالية، إلى أنه رغم أن الشركات التكنولوجية الكبرى قد تستمر في الاستثمار مخافة أن تتخلف عن سباق AI، فإن ارتفاع المعدلات قد يدفع المؤسسات المالية الداعمة للتمويل إلى تقليص حجم التمويل.
المسار الثالث: انعكاس تدفق رأس المال—عودة الأموال من الأسواق الناشئة إلى السندات الأمريكية. عندما ترتفع معدلات العائد الخالي من المخاطر إلى أكثر من 5%، تصبح السندات الأمريكية فئة أصول جذابة للغاية. تزداد بذلك الضغوط على عودة رؤوس الأموال من أسواق الأسهم الناشئة إلى سوق السندات الأمريكية. في 18 أغسطس، باع المستثمرون المؤسسيون في KOSPI الكورية الجنوبية 7.854 تريليون وون في يوم واحد، بينما اشترى المستثمرون الأجانب والأفراد على التوالي 865 مليار وون و7.310 تريليون وون—وهذا الانسحاب المؤسسي الكبير يمثل تجسيدًا دقيقاً لهذا المنطق.
إخلاء المسؤولية: يعكس محتوى هذه المقالة رأي المؤلف فقط ولا يمثل المنصة بأي صفة. لا يُقصد من هذه المقالة أن تكون بمثابة مرجع لاتخاذ قرارات الاستثمار.
You may also like
مع اقتراب الطرح العام الأولي، "مخزن الذخيرة" يزيد الاستثمار! تم الكشف أن Anthropic تعتزم زيادة حد الائتمان إلى أكثر من عشرة مليارات دولار
من المتوقع أن يتجاوز حجم التمويل 10 مليارات دولار، وهو ما يزيد بأربعة أضعاف على الأقل عن حد الائتمان الذي حصلت عليه Anthropic في العام الماضي. ووفقاً للتقارير، تتنافس عدة بنوك للمشاركة في هذا التمويل بهدف الحصول على دور في عملية الاكتتاب العام الأولي المرتقب لشركة Anthropic؛ وحسب العرض الحالي، فإن البنك الأكثر نشاطاً في هذه المبادرة يلتزم وحده بمنح قرض بقيمة حوالي 1.25 مليار دولار.
اليوم تبدأ "المحاكمة المصيرية" لـMeta: تحالف ٢٩ مدعي عام من الولايات لمساءلتها، وإذا خسرت قد تواجه غرامة "ضخمة" بقيمة ١.٤ تريليون دولار
تشير الدعوى إلى أن Facebook وInstagram تم تصميمهما عمدًا كـ"منتجات تسبب الإدمان"، مما ألحق الضرر بعشرات الملايين من المستخدمين القُصّر. وتقدر Meta أقصى غرامة قد تواجهها بنحو 1.4 تريليون دولار، وهو رقم يقترب من قيمتها السوقية الحالية. وسيقوم مارك زوكربيرغ بالإدلاء بشهادته شخصيًا أمام المحكمة، وربما تعيد نتيجة الحكم تشكيل نموذج الأعمال لصناعة وسائل التواصل الاجتماعي بأكملها.
انتعاش قوي لأسهم الموارد البشرية في سوق الأسهم الأمريكية: انتشار السير الذاتية بتقنية الذكاء الاصطناعي يجعل شركات التوظيف أكثر قيمة!
لم تقم AI بتغيير صناعة التوظيف في الولايات المتحدة، بل أدت إلى زيادة قيمة عمليات الفرز بسبب الانتشار الواسع للسير الذاتية المُولدة بواسطة AI، مما خلق طلبًا جديدًا لشركات الموارد البشرية. حققت أسهم شركات التوظيف مثل ManpowerGroup وRobert Half أداءً أفضل من المتوقع وشهدت أسعار الأسهم انتعاشًا قويًا من أدنى مستوياتها. كما أصبحت AI أداة لتحسين الكفاءة في هذا القطاع، ولكن بعد الانتعاش، ضغوط القيمة تؤثر على التقييمات، وتعتمد الاتجاهات الطويلة الأمد على تعافي سوق العمل الأمريكي وما إذا كانت شركات التوظيف ستستفيد فعليًا من AI.
هوا تشو: مقاومة الضغوط وإظهار قوة الزعامة!

